الأستاذ محمد المرابط يكتب عن: بيان حقيقة السلفية بين المغرب والسعودية

wait... مشاهدة
الأستاذ محمد المرابط يكتب عن: بيان حقيقة السلفية بين المغرب والسعودية
Advert test

– محمد المرابط ، أستاذ باحث

سيبقى 2 أبريل 2015، تاريخ انعقاد ندوة المجلس العلمي الأعلى بالرباط حول “السلفية: تحقيق المفهوم وبيان المضمون”، وقد أضفت المشروعية الرسمية على الوهابية، يسائل باستمرار مصير الإسلام المغربي ومرجعيته الناظمة. وقد سبق في مقالي: “سؤال المشروعية في تحالف الدولة والوهابية”، أن أشرت إلى مختلف رسائلها للداخل والخارج، يستحسن تجليتها أكثر، لترتيب الآتي من القول.

فعلى المستوى الداخلي، انطوت في لبابها على نقض أسس البيعة، بالنظر إلى التخلي الطوعي الرسمي على السيادة المذهبية والبناء المستقل للبلاد، وخلق المزيد من الالتباسات بغاية الهدم المريح للمعمار المذهبي للأمة. كما انطوت على عرض الشيخ محمد زحل لاصطفاف جديد مع القصر لمواجهة قوى الصف الوطني الديمقراطي، إسوة بسنوات الرصاص. وهو العرض الذي توجه الأستاذ التوفيق بتقبيل رأس الشيخ زحل.

أما على المستوى الخارجي، فهناك بالنسبة للشرق، تأكيد التبعية للإديولوجية الوهابية والإخوانية، من خلال قراءة السلفية بعيون إخوانية. وتأكيد ما قلته في مقال: “المغرب بلد طائفي؟”، من “استنساخ الحالة السعودية في علاقة الدولة بالدعوة”، لكن هذه المرة بمسحة إخوانية. والاستعداد للعب دور “الذيل والتكملةّ”، في مواجهة السعودية، للعلمانية والشيعة. أما بالنسبة للغرب، فقد تم تجاوز عتبة النصح بإدماج الأصولية في بنية المؤسسة الدينية، بدعوى مواجهة التطرف، إلى الزيادة في الفضل بإضفاء المشروعية الرسمية  عليها.

هذه رسائل الندوة في سياق “النموذج” الذي يراد له أن يكون مغربيا، لهدم ما تبقى من قواعد البيت لهذا البلد الأمين. لا النموذج الذي بأمجاد تاريخ المغرب يسكننا. لكن مزيد إضاءة هذا الموضوع، بدواعي ترتيب القول على ما سبق، في بيان حقيقة السلفية بين المغرب والسعودية تستوجب الآن فقط الوقوف على استحضار البلدين لمفهوم السلفية اليوم، وإن كانت إيحاءات العنوان أشمل من ذلك بكثير .

نظمت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ندوة “السلفية منهج شرعي ومطلب وطني”، في27 دجنبر 2011. ويستحسن لقراءة استدعاء السعودية لسلفيتها، التذكير بما أسست عليه القول بمضمر “استنساخ الحالة السعودية في علاقة الدولة بالدعوة”، من تمفصل “انشطار السعودية -ونحن نستحضر رحيل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ونفسه الإصلاحي، رحمة الله عليه- بين دعمها المادي للمنتظم الدولي لمحاربة “داعش”، وتنديد مؤسسة إفتائها بهذا التنظيم الإرهابي، وبين كون الوهابية، الإديولوجية الرسمية للدولة السعودية، تمثل الأم الحاضنة لهذا التنظيم، بحيث لا تعلم يدها اليمنى في أحسن الأحوال، ما تفعل يدها اليسرى. وهذا يحيل عندنا في المغرب إلى مخاطر التدبير الأصولي المفوض للحقل الديني”.

ندوة الرياض افتتحها الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود، “ولي العهد، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية”، حيث أكد على أن “هذه الدولة المباركة قامت على المنهج السلفي السوي، منذ تأسيسها على يد محمد بن سعود وتعاهده مع الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. ولا تزال إلى يومنا هذا بفضل الله، وهي تعتز بذلك”. ودعا إلى إزالة ما ارتبط بالمنهج السلفي، من مفاهيم مغلوطة كالتكفير والغلو والإرهاب. وطالب بإزالة الشبهات ودحضها وبيان الحقيقة. لقد كانت لندوة الرياض دواعي حقيقية بالنسبة للحالة السعودية، تستجيب لحاجياتها الداخلية، بما في ذلك صياغة المقررات الدراسية، وصورتها الخارجية، في سياق رعاية الملك المصلح عبد الله بن عبد العزيز لحوار الحضارات. كما كانت كلمة الأمير نايف واضحة في التأكيد على الثابت الإديولوجي للدولة السعودية منذ نشأتها، كما تجسده المنظومة الإديولوجية لمحمد بن عبد الوهاب. فالقوم هناك منسجمون مع أنفسهم، ونحترم اختياراتهم هناك، لا في تصديرها إلينا. فقط نتشبث بحقنا عليهم كمسلمين وأشراف في ميراث الحب النبوي، والتعبير عنه في المقام النبوي بالمدينة المشرفة. وهذا مما يجب أن يرافع عنه علماء المغرب. لكن يبدو أن القوم عندنا فقدوا البوصلة، وقد فرطوا في حقوقنا في الداخل والخارج.

أما ندوة الرباط فقد استلهمت عنوانها من أرضية ندوة الرياض، واستلهمت مقترب المعالجة من “الإخوان المسلمين”، وجاءت كلمة الافتتاح لوزير الأوقاف الأستاذ أحمد التوفيق واضحة في انتظامها في سياق مغاير، أعلنها صراحة أمام اتساع الفتق على الرتق، وتسويق حاجة الدولة إلى الولاء السياسي بفعل الضغط الخارجي المتزايد، على حساب الولاء المذهبي، وواقع الاستسلام أمام حالة العجز عن حماية البيضة بالقول في مستهل كلمته: “هذه الندوة التي تعقد اليوم، تتوخى أن تذكر وتقرر أن كل المغاربة اليوم كما الأمس سلفيون، على قدر أرزاقهم في الاقتداء والالتزام”. ويعلنها صراحة في الختم: “وفي الختام أود أن أقول: إن الأمر لا يتعلق بصدد موضوع السلفية بتحرير فضاء محتل، بل بفسح المكان للجميع”. ليتلو على هذا الختم من آيات الله: “إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم”. و”إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين” صدق الله العظيم. وضاع ما بين هذا الاستهلال، وهذا الختم من تحليل رصين، ليبقى الإشكال عند الأستاذ التوفيق، في الانتقال من العلم إلى الإديولوجيا، إذ يبقى الرجل في التحليل عالما، لكن في الإديولوجيا يفتقر إلى الحس السياسي المطابق لدفتر التحملات في متطلبات الأمن الروحي للبلاد. ألم يشرعن بالتعسف في استعمال الآيات/الدليل، على حساب مقتضى المذهب، وعلى حساب مقتضى رواية ورش، قياسا مضمرا فاسدا، بالدعوة إلى سياسة تحرير السوق، بفسح المجال أمام التسويق القانوني لمنتوج الوهابية؟ ألم يجعل هذا المنتوج المستورد في مستوى واحد مع المنتوج الوطني المحلي على صعيد الهداية والضلال، عفوا على صعيد الجودة وقلتها؟ هل بقي مبرر بهذا التزييف، لوجود المؤسسات ذات الصلة، في غياب السياسة الحمائية للسوق المغربية؟

يبدو أن تصوير الحقل الديني كسوق للتبادل الحر للمذاهب، وجعله بالتحديد مجالا حيويا للوهابية، وإضفاء المشروعية الدينية عليها، يرقى بهذه العقلية التجارية إلى ما يمكن أن يعتبر غدا “خيانة” عظمى. فالمشروعية الدينية للدولة في المغرب، تختلف في مرتكزاتها وآفاقها، عن المشروعية الدينية للدولة في السعودية. ويجب التنبيه بقوة إلى مخاطر التخليط في هذا الباب. فالعقلاء المؤتمنون على أمن البلاد المادي والروحي، وعلى استقرار وتطور مؤسساتها، لا يمكن أن نتصور في حقهم الاستهانة بمستصغر الشرر من هذه الجهة أو تلك، فأحرى  الاستهانة بلهيب الحرائق المدمرة.

كان من المفترض أن تكون ندوة الرباط، ذات جدوى، في مسمى الاستجابة لحاجيات البلاد، لو أنها أعطت لهيولى مفهوم السلفية/الوهابية، تضاريسها كما تم استنباتها في الجغرافيا المغربية، وعددت مقالاتها التي تصطدم مع الثوابت المذهبية للبلاد ومرجعيته الناظمة، وذلك بغاية إزالة الالتباسات التي تحف بهذا المفهوم ومضامينه، لتحصين البلاد من الغلو، خصوصا وأن المغرب يختزن آليات قراءة هذه الظاهرة، وبمسبر العقيدة الأشعرية على الخصوص، بفضل ما راكمه المغاربة من ردود على الوهابية منذ الطيب بنكيران، إلى اليوم، ذرية بعضها من بعض على طريق الانتصار للإسلام المغربي والوفاء بمرجعية إمارة المؤمنين. لكنها على النقيض من ذلك زادت الموضوع والمفهوم ضبابية، لتوفير البيئة المناسبة لإعمال معاول الهدم، وذلك كان قصد البعض، لأن مخططات هذا الهدم تنتعش في أجواء الالتباسات والتخليط والتدليس. شخصيا نبهت أكثر من مرة، إلى مخاطر القراءات الرامية إلى إرجاع كل ثوابت البلاد إلى الحنبلية، ومن ثم جعل هذه الثوابت كسيحة غير قابلة للتطور بهذا السعي، وجعل تاريخ المغرب عقيما عن الإبداع بقراءته قراءة وهابية تحت مسمى السلفية. وما زلنا ننبه من موقع المصلحة الوطنية، إلى مخاطر استنساخ الحالة السعودية في علاقة الدولة بالدعوة.

لعل القارئ قد تحسس الفرق بين استدعاء السعودية لسلفيتها، وبين تجيير المغرب للوهابية في سوق الماركوتينغ المذهبي. شخصيا لا أرى فيما جرى ويجري عندنا عين العقل، بل أرى في أحسن الأحوال  قلة فهم لخصوصية الصيرورة التاريخية للمغرب، إن لم تكن هناك خائنة أعين تتلصص علينا بهاجس المساس بعمق التعاقدات الوطنية ورصيد المغرب  الحضاري وبنائه المؤسساتي. لكن في المقابل. لا ننكر أن هذه الندوة خلفت ارتياحا عريضا في صفوف الوهابية، لأن الأستاذ التوفيق أنهى الكلام بخصوص الطائفية المذهبية في المغرب، بأن جعل الجميع ينتظم في سلك السلفية. لكن هل إشكال إضفاء المشروعية الدينية على سيطرة الأصولية على الحقل الديني، يمكن أن يحل بهذا الاختزال، وبتوظيف إذن صاحب الأمر، لإجهاض عنفوان نبضه المغربي؟

إن تبييض الأستاذ التوفيق للوهابية على إيقاع تقديرات غير دقيقة، يشبه إلى حد كبير مدح حمدون بلحاج السلمي لها، على عهد المولى سليمان، لكن حمدون بلحاج اعتراه الندم -والعهدة على التاريخ- لما وقف على التعاطي النقدي معها. فهل سيعتري الأستاذ التوفيق نفس الإحساس؟ أم سنجد أنفسنا أمام نفس ثقافة العهد الذي ولى، في القطيعة مع فضيلة الإصغاء؟ سنرى! وإن كان الأمر يتجاوز في تقديري، أحاسيس الأستاذ التوفيق، ومدى تمثله للمفهوم الجديد للسلطة، إلى قياس منطق بناء الدولة الوطنية الديمقراطية في العهد الجديد، بمتطلباتها الدينية والمؤسساتية المنفتحة. فالجميع معني بمدى وفاء العهد الجديد لشعاراته، حتى لا يتم السقوط في السياسة السياسوية للدين.

أعتقد أن مهام التوضيح تقتضي بعض الحفر في التاريخ، حتى لا نتنكب معالم الطريق، طريق البناء المستقل لمفهوم الأمة والدولة في المغرب. ذلك ما سينهض به عنوان: “السلفية المغربية من رهان الأمة إلى رهان الدولة”.

كلمات دليلية
2015-05-05 2015-05-05
zaid mohamed