تغريدة الشتاء …. مُحَاكمة الغش

wait... مشاهدة
تغريدة الشتاء …. مُحَاكمة الغش
Advert test

يكتبها على مسؤوليته عبدالحق بن رحمون

إذا كنت رضعت الحليب من ثدي أمك، فاعلم أنك رضعت حليبًا طبيعيا. وأنك مواطن صالح.

أما إذا كنت رضعت الحليب الذي يباع في العلب في محال البقالة، فاعلم أنهم خدعوك، وغشوك منذ طفولتك، وعليك إعادة النظر في التفكير في القيمة الصحية لذلك الحليب الذي شربته، ولازلت تشربه إلى حد الساعة، لأنه ليس حليبا طبيعيا فهو حليب أضافوا إليه مواد حافظة.

من منكم سأل نفسه وقال: لماذا لم يعد يقع خصاص في بيع مادة الحليب كما كان في السابق. واليوم لم تعد هذه الظاهرة. من سأل منكم لماذا؟ الجواب سهل وبسيط.  الحليب الذي نتناوله هو من النوع المجفف الاصطناعي الذي ينضاف إليه الماء.

فالغش هو التغرير والخداع، والتدليس، ويمكن تشبيهه بكرة منفوخة، مغشوشة بهواء سريع الفرقعة، كما هو حال الأكياس البلاستيكية التي تلوحها الرياح في فيافي أراضي مغبرة، تتطاير في كل الاتجاهات، لتلوث البيئة، وتقتل كل الكائنات الحية، مستغلة تقاعس البشر في شن حرب ضروس عليها. ببساطة هل من الممكن، أن يتلاشى الغش، وتنقرض الأكياس البلاستيكية في حملات موسمية، وتعود القفة التي كانت لزاما علينا التسوق بها، مثل بصمة تدل على عربون وواجب التكافل العائلي والاجتماعي، لما كان للقفة في الزمن الجميل طعم، ومكان خاص بالبيت المغربي والعربي، حيث كانت تتربع في ركن خاص مثل السيدة الأولى، لها قدر من الاحترام والوقار.

وقد ذمّ الله عزّ وجلّ الغش وأهله في القرآن وتوعدهم بالويل، ويُفهم ذلك من قوله تعالى: “وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينْ. الّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُون . وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ “.

نعم ؛ الأكيد أن العجلة التي تدور في الخواء هي مغشوشة.  والعجلة التي لاتدور، أو تدور في مكانها، بسببها يجمد الماء في المفاصل، وتقل الحركة في القضاء على ظواهر وحملات زائفة. كما يجمد الاستثمار في أجيال جديدة من الشباب لها ثقة في المستقبل.

وردا على تدوينة كتبها الصديق الزميل الإعلامي محمد العوني، رئيس منظمة حريات الإعلام والتعبير “حاتم” والتي جاءت في إطار النقاش الدائر هذه الأيام، حول ظاهرة الغش في أوساط الطلبة والتلاميذ في الامتحانات النهائية، وقال محمد العوني: (محاكمة تلاميذ بتهمة الغش، تعني مِمَّا تعنيه فشل”التربية” في تأطير التعليم، والخطير هو أن يحاول قطاعا الأمن والعدل تأطير التربية. علما أن بداية هذا “الاقتحام” هو عدم قدرة التربية على الولوج لتأطير الأمن والعدل……).

وهنا أتفق مع الزميل الإعلامي محمد العوني، في ما قاله في هذه التدوينة الجامعة المانعة. وفي تغريدتي أطرح ماجدوى محاربة الغش بالمحاكمة والمتابعة القانونية قبل إعادة النظر في مصدر الداء لبتره.

كما أن محاربة وقمع الغش لاتتم عبر حملات، كتلك التي نحارب بها الكلاب السائبة، أو تلك التي نحارب بها أكياس البلاسيتك المتطايرة في مطارح النفايات، أو تلك التي نحارب بها تجار المواد الاستهلاكية بمراقبة تواريخ الصلاحية. ثم تعود “حليمة” إلى عادتها القديمة بالارتكان للصمت.

معروف أن المغاربة لما يشترون بضاعة، يفتشون في ماركتها بدقة، ولا يثقون أبدا في البائع والوسيط والمنتج، وحتى إذا لم تكن البضاعة مغشوشة الصنع، فهي في المقابل قد تكون ماركة غير أصلية. لأن الفساد لا وطن له ولا لون له، فالغش هو الخسران الذي يشبه البيض الفاسد الموجود في سلة واحدة. إذ لا جدوى من وضعه في حضانة وانتظاره ليفقس وتخرج الكتاكيت.

يعني أن جدار الثقة بين الأسرة والتعليم العمومي، والمعقول قد تهدم، وصار “الخيار” الصعب هو اللجوء إلى التعليم الخصوصي، وهذا ليس بإمكان كل الأسر في أن تدرس أولادها في التعليم الخاص. يحضر في بالي هنا، لماذا لا تتم محاكمة بائع جافيل الذي يغش في صناعة الجافيل عبر تركيبة       “عقدة سحرية”، متماديا في بيع هذه المادة القاتلة في واضحة النهار، جائلا في الشوارع، بعربة يجرها بغل حرون، ويصيح في الأزقة والدروب “جافيييييييييل” وأحيانا يدوس على كلاكسون مزعج. والفاهم يفهم .

لماذا لا تتم محاكمة تجار ومقاولي السكن الاقتصادي، الذين أقاموا عمارات وشقق تشبه صناديق الوقيد، مكتوب عليها صنع في المغرب،أو إقامة السعادة والهناء والطمأنينة. ونجد في المقابل أن ملاك هذه الشقق تورطوا على مضدد في شرائها عبر قرض من البنك، يسددونه على شكل كمبيالات مدى الحياة، هذا في الوقت ذاته يتم شراء هذه الشقق عبر طريقة “النوار” المعروفة كوسيلة للتحايل التي يتواطأ فيها البائع والمشتري وذلك بعدم تصريحهما في الوثائق بالثمن الأصلي.

لذا قاطني وملاك هذه الشقق المغشوشة، نجدهم يكتمون أنفاسهم بداخل غرفها، ويعجزون عن التعبير عن أحساسيهم ومشاعرهم الحميمية اتجاه بعضهم البعض بصوت مرتفع، لأنهم لا يستطيعون رفع أصواتهم، كي لا يسمعهم جيرانهم في الشقق المجاورة، كأنهم عبيد داخل الزنازن بالشقق المصنوعة من الكارتون، ليس إلا.

وهنا من منكم يرضى أن يرى استمرار بيع مثل هذه الشقق المغشوشة، التي تشبه المنتوجات الصينية الأقل جودة. والسريعة الاستهلاك.

ويا أمة ضحت منها الأمم في وصلات إشهارية للسكن الاجتماعي.

وعن ظواهر الغش لماذا لا تتم محاكمة الذين يلوثون البحار حينما يرمون فيها بموادهم الكيماوية الخطيرة. ولماذا لايحاكم أيضا الذين يلوثون الهواء بالمدن الصناعية مثل الدار البيضاء، والذين يغشون في بناء القناطر، وتزفيت الشوارع، ويغشون في بناء المدارس، ويغشون في تحضير الوجبات الغذائية بالأقسام الداخلية.ويغشون في صنع الحلويات، ويقلدون الماركات العالمية الأصلية للملابس، ويغشون في مواد البناء، ويغشون في صناعة الحشيش والخمور، ويغشون في ألعاب القمار، ويغشون في النكاح،والحب، ويغشون في الأسعار، والميزان، ويغشون في المحروقات بإضافة مواد أخرى، ويغشون في زيت الزيتون.ويغشون في الحليب، ويغشون في رصيد تعبئة بطائق الهاتف وصبيب الأنترنيت،والعروض الخاصة، ويغشون في الكلام، ويغشون في الأخبار وينقلون الأخبار الزائفة والمغلوطة والمكرورة التي لا تفيد الناس في أي شيء، ولماذا لا تتم محاكمة بعض الأحزاب التي تغش وتكذب على الناس في حملاتها الانتخابية، ثم سرعان ما تختفي عن الأنظار وتغلق دكاكينها الحزبية بعد أن تقضي مأربها.

ولماذا لا تتم أيضا محاكمة الذين يغشون في تلويث الذوق الفني والجمالي في التلفزيون والسينما بتقديم أعمال رديئة. و لماذا لا تتم محاكمة الغشاشين في بيع اللبن وصيكوك، والبطيخ والفواكه الموسمية التي تنضج عنوة قبل أوانهما. ولماذا لا تتم متابعة ومحاكمة الذين يغشون في علف الماشية، حينما يعيدون تصنيع وتحويل فضلات وبصق الدجاج الذي ترميه الضيعات إلى علف يقدم إلى العجول والخرفان من أجل تسمينها بسرعة. ولهذا السبب تأتي الوجبات الغذائية التي نستهلكها لا مذاق و لا طعم لها، وصار الناس بسببها مصابين بأمراض غريبة وغير معروفة.

لماذا لا تتم محاكمة الغشاشين، الذين وعدوا أبناء الشعب من العاطلين بالبحث لهم عن عمل؟ وأخلوا بوعودهم بعد نجاحهم في الانتخابات.

لماذا لا تتم محاكمة الذين يبيعون الدروس الخصوصية بـ 200 درهم أو 300 درهم للساعة وبالدفع المسبق، حسب نوع المادة، لأن السعر في المواد العلمية مثل الفيزياء أو الرياضيات … إلخ. يكون مرتفع جدا. وعداد الساعة لا يرحم الآباء سواء فَهم الطالب أو لم يفهم أيّ وزة.

****

لذا فإن محاكمة تلاميذ هو تعبير عن خلل كبير في النظام التربوي، وما وقع خلال نهاية السنة الدراسية 2015/2016 في امتحانات الباكالوريا أن مؤسسات التعليمية تحولت إلى كوميساريات ومخافر للشرطة. ومن شر البلية ما يضحك.تمت محاكمة 5 تلاميذ بإقليم الحسيمة، بالمحكمة الابتدائية بعد ضبطهم في حالة غش أثناء اجتيازهم للامتحان بمؤسساتهم. ومن بينهما تلميذين تمت إدانتهما بشهر موقوف التنفيذ لكل واحد منهما. وكانت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني ألزمت ما يقارب 500 ألف مترشح ومترشحة لاجتياز امتحانات الباكلوريا، بتوقيع التزام بعدم الغش.

بعد محاكمة شباب الـ “فيس بوك”  والواتساب، متى سيأتي دور محاكمة الغشاشين الكبار، الذين اعترفوا بفشل تأطير التعليم، واستنجدوا في آخر محاولة لانقاد ماء الوجه بالأمن والشرطة.

ومن شر البلية ما يضحك . وعجبي كل عجبي. حينما يطفو الزيت فوق الماء. والفاهم يفهم، وقد لا يفهم أيّ وزة.

2016-06-22 2016-06-22
zaid mohamed