الشائعة … وبياعو كلام

wait... مشاهدة
الشائعة … وبياعو كلام

هالة أنفو. عبد الحق بن رحمون

الشائعة‭ ‬لؤم‭ ‬وسم‭ ‬قاتلان،‭ ‬يسريان‭ ‬بسرعة‭ ‬النار،‭ ‬ويأتيان‭ ‬على‭ ‬الأخضر‭ ‬واليابس،‭ ‬وهناك‭ ‬مختصون‭ ‬وخبراء‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الشائعة،‭ ‬يعرفون‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭ ‬لنشرها،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الشائعة‭ ‬مندسة‭ ‬ضد‭ ‬الشعوب،‭ ‬أو‭ ‬ضد‭ ‬أشخاص‭ ‬معينين‭.

‬ ولطالما‭ ‬خربت‭ ‬الإشاعة‭ ‬حصونا‭ ‬وبيوتا‭ ‬منيعة،‭ ‬ودمرت‭ ‬مؤسسات،‭ ‬ونشرت‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬الفتن‭ ‬وانعدام‭ ‬الثقة،‭ ‬وهي‭ ‬سلاح‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية‭ ‬وثقب‭ ‬الأوزون‭.‬

وبسبب‭ ‬الشائعة،‭ ‬سقطت‭ ‬أنظمة‭ ‬عربية‭ ‬قوية،‭ ‬في‭ ‬ربيع‭ ‬عربي‭ ‬مهزوم،‭ ‬ولم‭ ‬تظهر‭ ‬الحقائق‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قضي‭ ‬الأمر،‭ ‬وصارت‭ ‬تلك‭ ‬الأخطاء،‭ ‬في‭ ‬تصديق‭ ‬الإشاعة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬تمحيص‭ ‬مجرد‭ ‬دروس‭ ‬تنضاف‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ‭ ‬العربي‭ ‬المتخاذل‭.‬

وما‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ ‬أو‭ ‬أوروبي‭ ‬إلا‭ ‬وله‭ ‬إشاعاته‭ ‬الخاصة،‭ ‬يطاردون‭ ‬بها‭ ‬الشخصيات‭ ‬العمومية،‭ ‬ويتربصون‭ ‬بها‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬يشيعون‭ ‬الكذب‭ ‬عن‭ ‬إنجازات‭ ‬خرافية‭ ‬تحققت‭ ‬ووقعت‭ ‬مثل‭ ‬سقوط‭ ‬ملائكة‭ ‬من‭ ‬سماء‭ ‬لندن،‭ ‬و‭ ‬التنبؤ‭ ‬بنهاية‭ ‬العالم‭ ‬،‭ ‬و‭ ‬لعبة‭ ‬الشبح‭ ‬تشارلي،‭ ‬ومكي‭ ‬الصخيرات‭ ‬،‭ ‬ثم‭ ‬أخيرا‭ ‬الحوت‭ ‬الأزرق‭.‬

وفي‭ ‬سبعينيات‭ ‬وثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬كنا‭ ‬نسمي‭ ‬بعض‭ ‬أنواع‭ ‬الصحافة؛‭ ‬بالصفراء‭ ‬أو‭ ‬صحافة‭ ‬الرصيف،‭ ‬وكانت‭ ‬تدعي‭ ‬أنها‭ “‬مستقلة‭” ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الخفاء‭ ‬تدار‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬أشباح،‭ ‬غايتهم‭ ‬ترويج‭ ‬الأخبار‭ ‬الكاذبة‭ ‬والمزيفة‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬ينتقد‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الصحافة،‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬كانت‭ ‬عدة‭ ‬تُهم‭ ‬جاهزة‭ ‬توجه‭ ‬للصحافة‭ ‬الصفراء،‭ ‬حيث‭ ‬كانوا‭ ‬يعتبرونها‭ ‬مقربة‭ ‬باستمرار‭ ‬من‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬لنشر‭ ‬أخبار‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬مصدر،‭ ‬أو‭ ‬تدقيق‭ ‬في‭ ‬المعلومات،‭ ‬لأن‭ ‬الغاية‭ ‬تبرر‭ ‬الوسيلة‭ ‬من‭ ‬طرف‭ “‬بياعي‭ ‬كلام،‭ ‬وبياعي‭ ‬إشاعات‭ ‬زائفة‭”. ‬ومع‭ ‬اختراع‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬تضاعف‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية،‭ ‬وصار‭ ‬للشائعة‭ ‬والكذب‭ ‬عناوين‭ ‬بارزة‭ ‬،‭ ‬وصارت‭ ‬معها‭ ‬إقامة‭ ‬هؤلاء‭ ‬السكان‭ ‬بعالم‭ ‬المواقع‭ ‬الافتراضية‭ ‬الجبرية‭ ‬ويزعمون‭ ‬أنهم‭ ‬قادرون‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬والتغيير‭ ‬وفرض‭ ‬شروطهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نشر‭ ‬فضائح‭ ‬زائفة،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬أعلنها‭ ‬سلطة‭ ‬لاتقاوم‭ ‬بمجرد‭ ‬نشر‭ ‬أو‭ ‬كتابة‭ ‬تدوينة‭ ‬يصفي‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬عقده‭ ‬النفسية‭ ‬الباطنية،‭ ‬ويفرغ‭ ‬جام‭ ‬غضبه‭ ‬على‭ ‬أشخاص‭ ‬أبرياء‭.‬

هكذا‭ ‬صارت‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬حسيب‭ ‬أو‭ ‬رقيب،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬حسابا‭ ‬تنطع‭ ‬ببسالة،‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الحموضة‭ ‬المتعفنة‭ ‬في‭ ‬سلوكه‭ ‬العدواني،‭ ‬وادعى‭ ‬أن‭ ‬الصحافة‭ ‬اندثرت‭ ‬وحلت‭ ‬محلها‭ ‬حسابات‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التي‭ ‬صار‭ ‬يتحكم‭ ‬فيها‭ ‬كتائب‭ ‬من‭ ‬البلطجية‭.‬

لكن‭ ‬المسألة‭ ‬هنا‭ ‬كانت‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬لوضع‭ ‬قوانين،‭ ‬وتنزيلها‭ ‬لوضع‭ ‬حد‭ ‬لجرائم‭ ‬الاشاعات‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬تناسلت‭ ‬مثل‭ ‬الذباب‭ ‬فوق‭ ‬موائد‭ ‬وشاشات‭ ‬الحواسيب‭ ‬والهواتف‭ ‬الذكية،‭ ‬التي‭ ‬يحركها‭ ‬أشخاص‭ ‬أغبياء‭ ‬يجهلون‭ ‬القوانين‭ ‬ويعتدون‭ ‬على‭ ‬خصوصيات‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭.‬

كما‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬دخل‭ ‬مؤخرا‭ ‬بالمغرب،‭ ‬قانون‭ ‬محاربة‭ ‬الشائعة‭ ‬ونشر‭ ‬الأخبار‭ ‬الزائفة‭ ‬والاعتداء‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬الخاصة،‭ ‬حيث‭ ‬سيتم‭ ‬اعتماد‭ ‬مبدأ‭ ‬المساءلة‭ ‬القانونية،‭ ‬والمتابعات‭ ‬القضائية‭ ‬المترتبة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مذكور‭ ‬في‭ ‬القانون‭. ‬ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬القانون،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬الآخر،‭ ‬ودعما‭ ‬للوعي‭ ‬الجماعي‭ ‬وسلوك‭ ‬المواطنة‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬العقوبات‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬المذكور،‭ :‬يعاقب‭ ‬بالسجن‭ ‬من‭ ‬6‭ ‬أشهر‭ ‬إلى‭ ‬3‭ ‬سنوات،‭ ‬وبغرامة‭ ‬مالية‭ ‬من‭ ‬ألفين‭ ‬إلى‭ ‬20‭ ‬ألف‭ ‬درهم،‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬قام‭ ‬عمدا‭ ‬وبكل‭ ‬وسيلة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الأنظمة‭ ‬المعلوماتية،‭ ‬بالتقاط‭ ‬أو‭ ‬تسجيل‭ ‬أو‭ ‬بث‭ ‬أو‭ ‬توزيع‭ ‬أقوال‭ ‬أو‭ ‬معلومات‭ ‬صادرة‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬أو‭ ‬سري،‭ ‬دون‭ ‬موافقة‭ ‬أصحابها‭.‬ويعاقب‭ ‬كذلك‭ ‬بنفس‭ ‬العقوبات،‭ ‬من‭ ‬قام‭ ‬عمدا‭ ‬وبأي‭ ‬وسيلة،‭ ‬بتثبيت‭ ‬أو‭ ‬تسجيل‭ ‬أو‭ ‬بث‭ ‬أو‭ ‬توزيع،‭ ‬صورة‭ ‬شخص‭ ‬أثناء‭ ‬تواجده‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬خاص‭.‬

وكما‭ ‬كنا‭ ‬نسمي‭ ‬الصحافة‭ ‬المشبوهة‭ ‬بالصفراء‭ ‬وبصحافة‭ ‬الرصيف‭ ‬فأيضا‭ ‬هناك‭ ‬حسابات‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬هي‭ ‬رصيف‭ ‬أصفر‭ ‬خارج‭ ‬الخط‭ ‬الأحمر،‭ ‬ينبغي‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬حقها‭.

2018-09-06
Jamal
error: