المرأة التطوانية بين الأمس واليوم

wait... مشاهدة
المرأة التطوانية بين الأمس واليوم

أنس اليملاحي

إن الحديث عن المرأة التطوانية “الأصيلة”، يضع أساسا تقييدا للموضوع، من حيث كون المرأة المقصودة بالحديث، هي تلك التي تعرف بمميزات خاصةعاشت في جو خاص، تأثرت بمعطيات خاصة، جعلتها تتميز عن غيرها من نساء باقي المجتمعات والأوساط. ولعل هذا الافتراض هو الذي يقودنا إلى أن نؤكد بداية على مسألة معينة، تتعلق بوضع خط عريض تحت عبارة “الأصالة التطوانية”. فمن المعروف أننا عندما نتحدث عن تطوان، كمدينة ذات تاريخ محدد معروف متواصل الحلقات، وكمجتمع معين، له من الخصائص ما يميزه عن غيره، فإنما نتحدث عن كل ذلك في إطار مرحلة ترجع بنا إلى ما يفوق خمسة قرون بقليل، وبالتالي، فإننا عندما نتحدث عن المرأة التطوانية “الأصيلة”، فإنما نقصد تلك المرأة التي عاشت داخل هذه المدينة في هذه الفترة المحددة، والتي تأقلمت وتأثرت بالمؤثرات الحضارية والثقافية المختلفة التي ساهمت في تكوين الشخصية الخاصة بهذه المدينة في هذا المسار المحدد. من هنا كانت المرأة التطوانية في القديم، مثالا للسيدة التي عاشت الظروف والأحداث التاريخية الخاصة بهذه المدينة، فكانت السيدة المسلمة المتشبثة بدينها، والمتأثرة بما ورثته من العادات والتقاليد التي ساهمت في تكوين شخصية مدينتها، من ثقافات وحضارات معينة معروفة، ومن أحداث تاريخية جعلت منها ثغرا جهاديا ضد الغزو الأجنبي بالدرجة الأولى، كل ذلك هو الذي فرض على هذه المرأة أن تعيش داخل بوتقة محكمة، ذات إطار محدود وضيق إلى حد كبير، ذلك أنها – كغيرها من نساء العالم الشرقي في العهد الذي ولى- لم يكن يسمح لها بتخطي حدودها كربة بيت لا يزيد اهتمامها عن ضرورة القيام بمسؤولية ذلك البيت خير قيام، مع خدمة زوجها وتربية أبنائها على أحسن وجه، على اعتبار أنها الركن الأساسي الذي يعتمد عليه في تسيير هذا البيت، وفي إعداده وترتيبه والقيام بشؤونه – أو الإشراف على ذلك -، وعلى أساس أن يحتضن البيت أفراد الأسرة كلها، وأن يهيئ لهم الجو المناسب لكي يعيشوا في محيط تسوده الراحة والاطمئنان والسعادة، لكي يساهموا في القيام بالشؤون العامة للأمة، دون أن يكون لها هي دخل فيما عدا ذلك من تلك الشؤون خارج البيت. من مميزات المرأة التطوانية العريقة، أنها كانت تبدأ حياتها وهي طفلة، تتربى في بيت والديها على جانب كبير من الحياء والحشمة والوقار، ملتزمة باحترام الكبير والصغير، مكتفية بما يتم تلقينها إياه من مبادئ الدين والأخلاق داخل أسرتها، ومن تقنيات في مجال الطرز والخياطة التي تلقنها إياها “المعلمة”، بقصد الشروع في إعداد جهازها “الشوار” الذي ستصحبه معها يوم زواجها إلى بيت زوجها. وقد تكون من المحظوظات اللاتي يتلقين تعليمهن من طرف آبائهن الذين يحفظونهن القرآن الكريم، ويعلمونهن مبادئ القراءة والكتابة، أو قد يتم إرسال البنت الصغيرة إلى دار “الفقيهة” لكي تحفظ القرآن الكريم، فلا يكون خروجها من البيت بالطبع إلا مصحوبة بالأمَة التي تأخذ بيدها ولا تفارقها أبدا حتى توصلها إلى مقصدها، لكي تعود لأخذها بعد الانتهاء مما ذهبت إليه، سواء عند الفقيهة أو في دار المعلمة. ولعل من أهم ما تتميز به المرأة التطوانية عموما – مهما كان مستواها أو وسطها – ، أنها كانت تعد منذ نعومة أظفارها لكي تؤدي مهمتها كسيدة بيت بكل مهارة، حيث تتعود على ترتيب بيتها والعناية بنظافته وحسن تنسيقه، والاعتماد على الذوق الحسن في اختيار أثاثه وفراشه ومكملاته، مع حسن العناية بالخياطة والطرز، وتعهد الزهور والنباتات، أو ممارسة بعض الهوايات المعينة التي لا تخرج عن إطار الممارسة داخل البيت، كهواية تربية دود القز واستخراج الحرير منها، وما إلى ذلك مما يشبع رغبتها في ممارسة ما يعجبها، وكذا ما يزيد بيتها ومحيطها رونقا وبهاء وجمالا، مجسمة في كل ذلك معنى المثل العامي الشهير في تطوان والذي يقول (التاويل غلب التجارة)، أي إن عنصر العناية وحسن التنسيق والذوق الحسن، يتغلب على عنصر الغنى وكثرة المال. لقد كان المحيط الذي تدور فيه المرأة التطوانية محيطا محصورا كما ذكرنا، إلا أن ذلك لا ينفي أنها كانت تقوم بمهماتها البيتية خير قيام، مؤدية لدورها الرئيسي إزاء أسرتها أحسن أداء، كما أنها كانت تتواصل مع قريباتها وأهلها في إطار صورة تعكس كثيرا من معاني التعايش الاجتماعي، من تقارب وتضامن وتشارك في الأفراح والأتراح، وإن كان ذلك في إطار الزيارات الضرورية والخاصة بأداء الواجب الذي يفرض عليها أن تتواصل مع هؤلاء الأقارب والأهل، دون أن تتخطى علاقاتها ذلك، علما بأن المجتمع النسوي يعتبر مجتمعا منغلقا على نفسه، له وفيه من الأسرار والخبايا ما لا يعلمه غيرهن. وهنا يجب طرح سؤال هام، هل ما زالت المرأة التطوانية محتفظة بمميزاتها أم أنها تغيرت؟ للجواب على هذا السؤال، تراني مضطر لأن أفرق بين المرأة التي ما زالت لديها ذلك الحس الذي يجعلها تقدر قيمة مميزاتها وخصائصها كوريثة لحضارة ولأصالة معينة، وبين تلك التي نسيت كل ذلك، وانصهرت في إطار الحداثة والعولمة، وانقادت مع موجات العصرنة التي لا تولي أي اهتمام لخصوصيات المجتمعات المتميزة. ثم إنني عند التصريح بهذا، لا أقصد أن تقدير المميزات والخصائص يعني الإحساس بالتفوق أو الأفضلية على الغير، وإنما أقصد أن كل مجتمع له ما يسمه وما يعين ملامحه، مما يساهم في ضبط معالمه وتأهيله لكي يصبح ذا شخصية معينة قد تفضل الغير وقد يفضلها الغير. هكذا يمكنني أن أحدد الجواب على السؤال، بقولي إن روح الإحساس بالأصالة ما زالت حية في ضمائر الأسر العريقة التي تحتفظ بالأسس التي يقوم عليها المجتمع التطواني المتميز إلى الآن، وأن السيدة التطوانية المتذوقة لحلاوة الشعور بتلك الأصالة، لا تفتأ تعمل على الحفاظ على مظاهرها ومقوماتها، علما بأن كثيرا من تصرفاتها قد تغيرت، وأن عديدا من مظاهر حياتها قد تأثرت بفعل التطور الذي طرأ على مختلف مجالات الحياة، وعلما أيضا بأنها لا يمكن أن تتجرد عن مسايرة العصر الذي يتطلب منها الأخذ بالكثير من مظاهر هذا التطور الحديث والحياة المعاصرة، ولكن علما أيضا بأنها مع ذلك لا يمكن أن تنسلخ عن جلدتها، ولا أن تتخلى عن مبادئها ومثلها التي تقوم عليها شخصيتها ومقوماتها وأصالتها التي تعتز بها. لكن هناك أسباب جعلت المرأة تتغير، أعتقد أنها ترجع إلى قوانين الكون والحياة والتطور، وإلى ضرورة خضوع المرء لما يحيط به من مؤثرات تستلزم عدم تحجر أفكاره وانغلاق آفاقه وتوقف حركاته أمام الانفتاح والتأقلم مع مظاهر العالم الجديد، إلا أن هذا لا يعني أن الأمر يتطلب الخضوع الأعمى لكل ما هو جديد، والسير مع التيار مهما كانت النتائج والعواقب، وإنما العاقل من استطاع أن يفرق بين الجائز والممنوع، وبين المقبول والمرفوض، وبين المناسب وغيره. والحقيقة أنه إذا كانت هناك في الشارع التطواني مظاهر جديدة توحي بأن المرأة التطوانية قد تغيرت، أو أنها قد تخلت عن مميزاتها ومقوماتها وأصالتها، فإنني أقول، إن ذلك لا ينفي أن في البيوت الأصيلة حقائق، وأن وراء الأسوار خبايا، وأن وراء الأبواب أسرارا، وأنه ما زالت بين جوانح السيدات التطوانيات قلوب حية، وداخل تلك القلوب مشاعر تقدس المبادئ والقيم، وتعمل على الحفاظ عليها، مما يؤكد أن هناك ضمائر تسعى لمواصلة المرأة التطوانية لمسيرتها الهادفة نحو إثبات الذات وتأكيد الهوية، مهما تقدم الزمن ومهما تطورت الأوضاع.

2014-12-02
admin
error: