تاريخ مصحات الأمراض العقلية

wait... مشاهدة
تاريخ مصحات الأمراض العقلية

د/ مصطفى بعجي

إن عملية حجز المرضى النفسانيين والعقليين، بصيغته النظرية والعملية في مؤسسات صممت لهذه الغاية، قد ظهرت في زمن متأخر. هذا لا يعني أن المرضى العقليين لم يخضعوا للإجراءات القانونية والرقابية قبل هذا التاريخ. فالقوانين اليونانية والرومانية قد سعت إلى منعهم من تعريض الحياة أو أي من أعضاء الجسد أو الممتلكات للضرر، ووضعت أوصياء وحرصا عليهم. وكتب أفلاطون في القوانين بهذا الصدد: يجب على عائلة المجنون المريض أن تتعهده وتحتفظ عليه بشتى السبل. وكان المريض العقلي في تلك الأيام وما تلاها لفترة طويلة مسؤولية عائلية أساسا. وقد بقي فترة لا بأس بها من القرن العشرين خاصة في اليابان، وكان يحتجز المختل من ذوي الحالات المتقدمة في البيوت بينما كان يسمح للمسالمين من المرضى بالتجول في الطرقات على الرغم من تحاشي الناس لهم اعتقادا من هؤلاء لأن الأرواح الشريرة قد تتطاير من المجانين وتتلبسهم . وفي وقت كان العالم الإسلامي ينظم ولوج هذه الفئة المريضة من المجتمع داخل بيمارستانات، كانت العائلة في أوربا المسيحية هي المسؤولة عن أفرادها المجانين، تماما مثل مسؤوليتها عن أطفالها. وبقي المجانين وبلهاء القرية رهن الرعاية المنزلية، وغالبا ما كانوا عرضة للإهمال والقسوة في حين كانت بمرستانات السعديين والوطاسيين قد وصلت بمستوى علاجاتها إلى العلاجات الوظيفية والترفيهية خاصة بالموسيقى. كما مثل الجنون في أوربا عارا على العائلة، لما تصل به من اعتقاد بالتلبس الشيطاني Possession demoniaque ، أو الظن أن هناك شائبة في سلالة العائلة . وبدأ العمل الرسمي المتعلق بفصل المرضى يظهر أواخر العصور الوسطى وهو عمل مستوحى من مفهوم واجب العمل الخيري المسيحي . وأكبر مثال هو ديرسانت ماري سنة 1247 في لندن، والذي بدأ يحتضن المرضى العقليين مع نهاية القرن 14. كما كانت القرية الفلمنكية “غيل” وهي مقام القديسة ديمفنا، قد اكتسبت شهرة بوصفها مركزا لمعالجة المجانين. أما في اسبانيا وتحت تأثير الأندلس فقد تأسست فيها مراكز ومصحات عقلية في وقت مبكر “القرن 15″، وهي مؤسسات ترعاها الكنيسة في مدن فلنسية سرقسطة إشبيلية بلد الوليد طليطلة وبرشلونة، وكلها مؤسسات كانت على الأنموذج الإسلامي . ومثلت الطوائف الدينية حافزا للعديد من المؤسسات اللاحقة بما فيها المصحات المنشأة في ليفربول مانشستر نيوكاستر ويورك. وقد كانت المؤسسات لدى الشعوب الكاثوليكية تدار من طرف راهبات ورهبان وقفوا أنفسهم للخدمة الخيرية وذلك ابتداء من القرن 18، وبقيت رعاية المرضى تحت وصاية النظم الدينية في معظم بلدان أوربا حتى القرن العشرين . وأفضت الاختلافات الدينية الطائفية في بعض البلدان إلى ظهور مصحات مستقطبة . فقد أنشأت مثلا في هولندا الحديثة في الربع الأخير من القرن 19، مصحات منفصلة لكل من الطائفة الكالفانية والكاثوليكية .

يتبع…

2014-12-13 2014-12-13
admin
error: