حساء بارث

wait... مشاهدة
حساء بارث

يوسف خليل السباعي

لم أكتشف كتابات الكاتب والناقد والسيميائي رولان بارث إلا عن طريق قراءتي لمقال له عن الروائي الفرنسي ألبير كامو، كتبه منذ زمن بعيد، وعلى ما أتذكر أن المقال كان يتعلق ب ” الكتابة البيضاء” عند هذا الكاتب، ومن المرجح أن هذا المقال هو الذي سيصدر فيما بعد في أول كتاب لبارث بعنوان ” الدرجة الصفر للكتابة”، والذي ترجمه الكاتب المغربي محمد برادة، كان هذا الكتاب لا يفارقني خلال دراستي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، حيث لم أكن أهتم بالمقرر الدراسي لشعبة الأدب العربي، وأقرأ كتبا لا علاقة بالمقرر، وهذا أمر ساهم في تكويني الأدبي، إلا أنه كانت له نتائج سلبية، حيث رسبت في السنة الأولى من الكلية، وهكذا أكون قد قضيت خمس سنوات، بدلا من أربعة…إلى أن حصلت على الإجازة في الأدب العربي من نفس الكلية في سنة 1988، وكان بحث الإجازة حول رواية ” الفريق” للمفكر والروائي المغربي عبد الله العروي” بعنوان ” الوظائف في رواية ( الفريق) لعبد الله العروي”. قلت إن علاقتي برولان بارث كانت في البداية من خلال قراءتي، لمقال له عن ألبير كامو، وهو الذي عرفني على كامو، الذي قرأت، بالتقريب، كل كتبه في لغتها الأصلية: الفرنسية-، على الرغم من أن ترجمات بعض رواياته كما هو حال ” الغريب”، و” السقطة” كانت قد ترجمت من طرف المشارقة. وبعد فترة، سأعود لقراءات كتب بارث بالفرنسية، ومنها ” أيحاث نقدية”، و” عن راسين”، و”رولان بارث بقلم رولان بارث”، وإمبراطورية العلامات”، وهذه هي الكتب ( الحساء) التي ترجمت منها بعض النصوص والمقالات واللويحات، التي نشرت في كل من جريد” العلم”، التي سأنشر فيها أول مقال مترجم لبارث في صفحة “حوار” منذ زمن بعيد، وكان الأمر يتعلق ب ” إجابة كافكا”، ومن هنا ستتطور علاقتي بهذه الجريدة، وستكون ارتباطات قوية بكل من عبد الجبار السحيمي ” الذي سيطلب مني أن اشتغل كمراسل ثقافي صحفي بها من تطوان، ونجيب خداري، ومحمد بشكار، وغيرهم من الزملاء والأصدقاء ب “العلم، مع العلم أن أول مقال نشر لي في الصحافة كان عبارة عن تعليق لما كتيه الشاعر عبد الله راجع حول ” الشعر”، ولم أعد أذكر التفاصيل، في جريدة “الاتحاد الاشتراكي” سنة 1986، وكنت آنذاك كلفا بشعر بودلير، وقرأت عن حياته وأدبه الشيء الكثير، بالفرنسية والعربية. والحقيقة أنني نشرت نصوصا ومقالات ولويحات جمة مترجمة لرولان بارث، لا داعي لأدخل في تفاصيلها، وكان لي ارتباط قوي بكتابات هذا الكاتب الكبير، الذي ترك أثرا كبيرا، على الأدب الفرنسي والعالمي، وزار المغرب، وكانت له علاقات قوية بعبد الكبير الخطيبي وكيليطو وبرادة والخطيب وغيرهم. أذكر أن الصديق الكاتب والناقد والمترجم عبد اللطيف البازي، كان دائما يقول لي : متى ستخرج من عباءة بارث، وتنفتح على أسماء وعوالم أخر، وكان يناديني ضاحكا: ” يوسف بارث”، وكذلك زوجتي سعيدة، وكانت تعزز كلام البازي-، الأمر الذي جعلني أنسى بارث لمدة من الزمن، إلا أنه سيعود لا شعوريا في كل من مجموعتي القصصية ” زهرة الخشخاش”، وفي روايتي ” الأبواب السبعة، القمر المحجوب”، كشخصية متخيلة. ليلة البارحة، لم أعد إلى كتب بارث، التي هي مركونة الآن، في مكتبتي. بل قرأت ما كتب عنه ضمن ملف خاص أعده طاقم تحرير مجلة ” بيت الحكمة”، التي كانت تصدر فيما مضى، وقرأت عن طفولته ومراهقته و وقراءاته وعمله الأدبي والنقدي والسيميائي، فأحسست بمتعة نادرة، عادت بي إلى الزمن الضائع، الذي لم تبقى منه سوى نتف من الأحلام والذكريات الجميلة.

2014-12-13 2014-12-13
admin
error: