الجدار الأزرق.. الشاعرة وداد بنموسى وذاكرة الطفولة

wait... مشاهدة
الجدار الأزرق.. الشاعرة وداد بنموسى وذاكرة الطفولة
Advert test

هالة أنفو.

نستضيف هذا الأسبوع على الجدار الأزرق، شاعرة من القصر الكبير المبتهج بالإبداع وأسرار وخفايا ثمانية أرقام. هاهنا نبايع وداد بنموسى ملكة على قصر القصيدة إذ في زخارفها تستيقظ الأميرات والحوريات كل صباح، لضخ الجمال في مياه رقراقة وعذبة. ويسعدنا في ” هالة أنفو” أن نحتفي بها، واختيارنا لها في الجدار الأزرق، يأتي أولا من قناعتنا الراسخة أنها شاعرة لها تجربة متميزة، ولها مكانتها في الساعة الأدبية بالمغرب وفي الخارج، إذ ترجمت أعمالها إلى عدد من اللغات الأجنية، فضلا عن مشاركتها في العديد من المهرجانات والملتقيات الشعرية. من جهة أخرى، ففي عام 2014 حازت الشاعرة وداد بنموسى على جائزة القصيدة العربية التي ينظمها محترف الكتابة بالمغرب بمدينة فاس عن “دورة الشاعر عبد الكريم الطبال”. وقالت في قصيدة إلى آخر الحياة: “فكرت طويلا، فكرتُ عميقا، فكرت بعمايَ وبصيرتي، بعجزي وقدرتي، فكرتُ كيف أهمس بهذه “الأحاسيس الصغيرة”. على صعيد آخر، أجمعت كل القراءات في أعمالها الشعرية أن قصائدها صور مرئية، منحازة للجمال نصّبتْ نفسها أميرة تاجها الكبرياء حسب ظنها وأصبحت حرة طليقة، فضلا عن ذلك فهي شاعرة تحلق في فضاءات شعرية صوفية من أجل النقاء والجمال والحب. وقالت وداد بنموسى في إحدى الحوارات السابقة: “أنا مؤمنة بفكرة كانت تقولها الكاتبة الفرنسية سيمون ديبوفوار، مفادها أن المرأة هي التي تخلق نوعا من الحواجز الوهمية لنفسها حتى تتقوقع داخلها”، وأضافت “ينبغي دوما أن نحاول من أجل إثبات الذات”. وحول الموهبة تقول: “إذا كانت الموهبة قوية ووجد الإصرار والعزيمة والإرادة والكفاح، سيخلق الإنسان وجوده الخاص”. مضيفة: “أتحدث بتفاؤل كبير عن حظي، لكنني ثابرت كذلك وعاندت، وكان لي إصرار وكانت هناك إحباطات كثيرة، فالمجتمع المغربي ليس مجتمعا سهل الاختراق ثقافيا بكل تأكيد، ولا يمكن إثبات الذات فيه إلا بكثير من المعاناة، يحبطك الكثيرون، لكننا نثبت حضورنا في النهاية، لا يجب على المرأة أن تستسلم.”. أعزاءنا القراء بفضلكم وتفاعلكم مع الجدار الأزرق بموقع “هالة أنفو” سنواصل تحقيق ذلك التواصل وتعزيزه مع الأدباء والمبدعين المغاربة. ونشكركم على وفائكم واهتمامكم الدائمين وسنجدد باستمرار الوفاء معكم بالالتزام باختيارات تتوافق وجميع الأذواق. وخلاصة القول، ندعوكم إلى هذا السفر الشعري، في ذاكرة سيرة طفولة الشاعرة وداد بنموسى، متمنين لكم قراءة متعة وشيقة، من خلال تفاعلكم مع قصيدة جديدة موسومة بـ “غرف” التي قطفناها من موقع التواصل الاجتماعي الـ ” فيس بوك”:

غُــــرَف وداد بنموسى

غُرْفة للولادة: فيما أتيتُ إليها جئتُ وحدي ملء رئتيَ صرخْتُ بكيتُ ركلتُ ما في الغرفة من ريح وصرختُ كأني أنزلُ من عتمة إلى عتمات أو إلى ضوء كثيف حدَّ العماء لا أسمع لا أرى أحسُّ.

لم تكن لي ذاكرة بعدُ لكني خرجتُ برائحة أمي في القلب بكل زوايا رحِمِها في العين بصَرخاتها الصغرى بصوت عمتي “فطُّوم” تقول: ولادتها سهلة والمخاض ليس عسيرا فأين المِقصُّ نقطع الصُّرة ونربطها بالحياة أين الثوب الأبيض به نلفها أين الماء الدافئ؟

لا شيء كان معداًّ لا وقت َ كان في انتظاري جئتُ على حين غَرَّة جئتُ قبل المقص والماء والثوب الأبيض جئتُ عزلاء إلا من صراخ جئت ضاجة جئتُ حرّىَ جئتُ أنثر في الغرفة حبات الدمع وأرى أمي تتصبب عرقا قواها هباء ووجهها السمح غطته سحابة ألم زرقاء يدها البياض يدها الوهب يدها الحُنُوُّ بينما الحبل السري كان ما يزال حيًّا بيننا لماذا تقطعينه يا عمتي؟

في تلك الغرفة السفلى الغرفة الباردة بسبب “نونبر” شهر الثلج والغَمْرِ كنت لا أسمع لا أرى كنتُ أحس أن حربا ضروسا تنتظرني في الخارج حيث الثلج والمقص والبرد وغضبتي الأبدية على عمتي فطوم..

غرفة للطفولة:

سرير “أسماء” كان سريري وسريري كان سريرها مثل عنزتين كنا نخرج إلى المدرسة بظفيرتين والبذلة الورد في المدينة “القصر الكبير” كنا نشرد في الزقاق المظلم أو في الدروب بحيّ “المرس” ونعبر الدكاكين تبيع القطاني والسكر وحلوى العيد ونعدو من غابة إلى غابة في ضاحية المدينة أسماء تذكر ذلك الجَنين، عثرنا عليه طريا ملقى به بين الأحراش تخلت عنه امرأة جرجرتْ خطيئتها تسعة شهور عجاف صرخت أسماء حينما رأيته كاد يغمى عليها كادت تهوي في الوجل والرهبة والبكاء غير أني ضممتها بوجيب الحب، لأني الكبرى وجعلتُني وصية على خوفها ومع الرفاق ذهبنا نخبر عن الجنين، وعن المرأة لم نرَها تبتعد بين الأشجار بينما أسماء تهرول وتحكي ما جرى…وتقسم ألا تذرع الغابة

كنا نرمي الحقيبة المدرسية على السلم ونعود إلى الغرفة ندس بين الثياب دراهمنا و أسرارنا الأخرى لم تكن للغرفة إلا نافذة كنا نطل منها على المارة ونغني أحيانا أغنيات الأندلس ونرشق من في التحت بطائرات نصنعها من ورق ونضحك نضحك كلما مر عصفور وغَمَزَ كان اسم دميتي “محجوبة” وكنت قد وضعت لها في الركن بيتا صغيرا وسريرا وغطاء للسرير وثيابا قزحية خِطْتُها بما فضل من قماش والدتي من قفاطينها ومناديلها لكني لم أوفق في أن أصنع لها أختا كي تضحك وإياها كلما مرَّ عصفور وغَمَزْ

تلك غرفة للطفولة تلك سمعت اللثغات الأولى وأولى الضحكات وفيها ربَّيْتُ أحلاماً تمشي معي اليوم إلى حيثُ أقيمُ الآنَ في الهباء…

غُرْفَة السُّؤَال: -1 كتُبُ والدي على الرَّفِّ شجرة البرتقال الحزينة في مدخل الحديقة عينيْ أمي دراجتي الهوائية في سن التاسعة موت عمي جوَّابِ الآفاق ضريح الولي الصالح كان يأوي آلام جدتي صيفا وشتاء الغيب، لا أعرف وجهه الله، أحيانا يحنو وأحيانا يقسو . . . . سؤالٌ على سؤال لم يكن الجواب جوابا وإنما جوابٌ في جوفِهِ سؤال كل لون سؤال كل رائحة سؤال كل صورة سؤال كل صفعة سؤال كل جرح سؤال كل سؤال…سؤال

مَرِّرْ يَدَكَ على صدري أيها الفَجْرُ تجِدْ رُكام أسئلَةٍ منها ما صدِأَتْ ومنها ما يزالُ يمشي مختالا في الشرايين يطل من المسام يرقص على إيقاع النبض سؤال سؤال سؤال كأنما لا مصير غير السؤال

-2 في تلك الغرفة العلوية بناها أبي سنوات بعد الفيضان وطلاها بالأزرق تَيَمُّناً بالسماء وفتح لها نافذتين: واحدة على بيت الجارة والثانية على شرَك الهواء والنخلة وقمر يأتي من سماء ليست زرقاء غرفة يأتيها الحَمام أبيض كالوهم يأتيها الآذان من صومعة ومن فم النخلة والهواء والقمر غرفة علقتُ على جدرانها صور النساء اللواتي سوف أكونهن وصور الرجال العظام الذين سيعلمونني كيف أسير وكيف أتوب عن العشق وكيف أنحثُ على ذلك ” القمر” أسماء الطير والعشب والموج والأيام غرفة ساطعة كنتُ أدخلها حيرى وكانت تبدد حيرتي بتلك السكينة وذلك الصمت

اليومَ أقول: ولو بجمْرِ السؤال لماذا بَرَحتني الغرفة الزرقاء لماذا برحتُها إلى هكذا ضياع؟؟

وداد بنموسى في سطور…….

• وداد بنموسى شاعرة، فنانة تشكيلية وفوتوغرافية مغربية، – عضو المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب. – عضو المكتب المسير لبيت الشعر سابقا. – نائبة رئيسة دار الفن المعاصر. – عملت في الصحافة، في كل من جريدة ” العلم” و ” الجريدة الأولى”. – عملت في ” معلمة المغرب”. – عملت مستشارة وزيرة التعليم. – شاركت في العديد من المهرجانات والملتقيات داخل المغرب وخارجه.

8 أرقام : أسرار وخفايا في السيرة الشعرية:

1969: ولدت بمدينة القصر الكبير؛ 2001: ” لي جذر في الهواء”، عن وزارة الثقافة ضمن سلسلة الكتاب الأول؛ 2006: “بين غيمتين”، عن دار مرسم للنشر؛ 2007: “فتحتها عليك”،(مجموعة شعرية مصحوبة بصورعن النوافذ من تصوير الشاعرة)عن دار مرسم للنشر؛ 2008: “زوبعة في جسد”، عن دار مرسم للنشر؛ 2010: “كدتُ أفقِدُ نرجسيتي”، عن دار ورد للنشر بسوريا؛ كما ترجم لها في نفس السنة ديوان:”زوبعة في جسد” إلى الاسبانية عن مركز حوار الحضارات بكونكيبو، دولة الشيلي؛ 2013: الطبعة الثانية من “زوبعة في جسد” بثلات لغات، العربية، الفرنسية (الدكتورة ثريا إقبال) والإسبانبة (الأستاذ عبد اللطيف الزنان)، مصحوبة بلوحات فنية للرسام المغربي عبد الحليم الراجي،عن دار مرسم للنشر؛ 2014: “ألهو بهذا العمر”، عن دار توبقال للنشر.

ouidad benmousa 2ouidad benmousa1
2014-12-17 2014-12-17
zaid mohamed