تاريخ مصحات الأمراض العقلية “الحلقة الثانية”

wait... مشاهدة
تاريخ مصحات الأمراض العقلية “الحلقة الثانية”

د/ المصطفى بعجي – خلاصات “فوكو” وسقوطه في التبسيط والتعميم. بعد الجزء الأول المخصص لفترة نسميها بالأولية أو ما قبل المصحة . نتناول في خذا الجزء الثاني فكرة الحجز الكبير الذي تطرق إليه “فوكو” وكذا “بورتير” والرد عليه تاريخيا . إن فكرة الحجز الكبير شاعت في ستينات القرن الماضي خاصة عند المثقفين. وملخص هذا المصطلح هو أن ظهور النظام السلطوي المطلق الممثل في فرنسا لويس 14، دشن سجنا أوربيا كبيرا للمرضى النفسانيين وكذا للفقراء والمعوزين، ما مثل حركة من القمع الأعمى. فأًبح كل هؤلاء الهائمين المرضى العقليين الموصومين بوصمة الجنون بصورة فاضحة للقانون والنظام، أهدافا للاحتجاز في عملية تمشيطية مهولة للشوارع . وشكل الفقراء المعدومون وصغار المجرمون والمتبطلون والعاطلون والمتشردون، وعلى رأس كل هؤلاء المتسولون شكلوا الأغلبية العظمى لهذا الجيش الرهيب من غير العقلاء. بيد أن زعماء هذا الجيش كانوا رمزيا من ذوي العاهات العقلية والحمقى والمجانين. ففي ستينات القرن 17 احتجز 6000 نسمة من هؤلاء الغير المرغوب فيهم في مستشفى باريز العام لوحده. وتم استنساخ مثل هذه المستشفيات بضواحي باريس وبقية الضواحي الفرنسية. ويذكر هنا “فوكو” بشكل آخر تواجد أمكنة أخرى قامت فيها مثل هذه المؤسسات باحتجاز الأشخاص المزعجين ليس كإجراء علاجي بل بوليسي أو وصائي من جانب دول كألماني وإنجلترا، والتي أخذت طابع سجني وإصلاحياتي وهي في المفهوم العام ملاجئ ويشاع بها كذلك. وهذا الحجز الكبير أو السجن الكبير كما لاحظ “فوكو” تجاوز العجز الجسدي إذ مثل ازدراء للجنون نفسه. فقد مارس الجنون قبل هذا التاريخ افتتانا وسطوة خاصين فكان المجنون “درويشا محاطا بنوع من القداسة، أو ساحرا شريرا أو شخص مسكونا بالجن”. وقد تمتع “البلهاء” بحرية التعبير والسخرية ممن هم أفضل منهم. بيد أن الاحتجاز داخل المؤسسات جرد الجنون من تلك المظاهر التمكينية ورده إلى السلبية، مما يمثل حالة من انعدام الآدمية، ولا عجب – حسب فوكو- أن يشبه نزلاء المصحات ويعاملوا مثل الوحوش المحجوزة في أقفاص، إذ طالما كانوا محرومين من العقل الذي يمثل الجوهرية والمميزة للإنسان، فماذا عساهم يكونوا غير بهائم متوحشة حسب خلاصة “فوكو” والتي وإن كانت تنطوي على معقولية ما إلا أن “فوكو” أفرط في التوسيط وأغرق في التعميم. فإذا ما استثنينا فرنسا، وجد المؤرخون أن القرن 17 لم يشهد اجتياحا هائلا لعملية المأسسة ، ومن المؤكد أنها لم تكن حلا غذا تلقائيا وجاهزا، فقد سلكت السلطات والدول فيها سبلا متباينة. إذ اتجهت فرنسا ذات السلطة الشمولية نحو مركزة موقفها إزاء اللاعاقل وأصبح من مهام السلطات المدنية منذ عهد لويس 14 توفير المرافق الخاصة للمجانين الفقراء وأنيطت تلك المسؤوليات في ظل قانون “نابليون بونابارت” بالحكام الإداريين للمقاطعات . وكانت بمقدور العائلات أن تحتجز أقربها المجانين قانونيا لدى تحصلها على كتاب مدموغ بالخاتم الرسمي من السلطات ، وكانت هاته الوثائق الرسمية تحرم المجنون من كل حقوقه بصورة نافذة وفورية. وفي روسيا لم تظهر أمكنة إيواء المجانين التي تشرف عليها الدولة إلا بعد 1850 م، ومثلت “الأدييرة الأرثودوكسية” أماكن الاحتجاز بصورة عامة . كما أنه لم يوجد عبر مساحات أوربا الريفية الشاسعة إلا القليل ممن تم احتجازهم في مؤسسات ومرافق حكومية . أما في البرتغال فكانت لا تزالان مصحتان اثنتان تفيان بحاجاتها بأكملها مع نهاية القرن 19 ولم يتجاوز عدد نزلائهما 600 نزيلا . أما في انجلترا فإن الرؤيا لا تتوافق مع خلاصات “فوكو” فيما يخص العزل الكبير ذلك أن العزل الذي تم بإشراف الدولة لم يأت إلا متأخرا، ولم يصدر تشريعا برلمانيا يسمح باستخدام المال العام لإنشاء المصحات إلا سنة 1808م، كما لم تجعل إقامة مثل تلك المصحات في الأٌاليم والمقاطعات أمرا إلزاميا إلا في عام 1845م. وفي بلاد الغان لم تقم أية مصحة عقلية حتى هذا الوقت . ولم يزد عدد المحتجزين في انجلترا حتى 1880م بمصحات عقلية عن 5000 فردا في بلاد مجموع سكانها لآنذاك 10 مليون نسمة. على الرغم من وجود 5000 آخرين في الملجئ والإصلاحيات والسجون . وإنه لمن المفيذ النظر إلى المصحات العقلية ونشأتها في أوربا الحضرية وكذا أمريكا الشمالية بوصفها نتاج جانبي للمجتمع التجاري والمهني لا بوصفها إجراء حكوميا . إذ أن الفائض المتنامي من الثورة شجع الأثرياء على شراء الخدمات الثقافية والتعليمية والطبية التي كانت تتوافر منزليا . وكان أغلبية المرضى المحتجزين تنزل في مصحات خاصة حتى سنة 1880م وكانت هذه المصحات تقوم على أساس ربح ضمن اقتصاد السوق في سمي صراحة بالمتاجرة بالجنون وبقي ما يزيد على نصف النزلاء في المصحات الخاصة حتى سنة 1850 . وللتأريخ لهذه المصحات الخاصة كان هناك صعوبة تحديد التاريخ المبكر لها وذلك أنها كانت معنية بالسرية عناية خاصة ، فقد كانت سرية مطلبا عائليا . ولم يجر الطلب من تلك المصحات الحصول على ترخيص قانوني في انجلترا مثلا إلا سنة 1744م، وبلغ عام 1800م إجمال المصحات المرخص لها 50 مصحة. وكانت المصحات الأولى متعددة الأشكال والأحجام وكان بعضها حسب الإدارة والأخرى سيئة الإدارة. فلم يكن الإشراف الطبي مطلبا قانونيا آنذاك في أي دولة من الدول الأوربية حتى سنة 1880 كما لم تكن السلطة الطبية ضامنا للرعاية الجيدة بصورة تلقائية .ولم تقرر القوانين إلا بدء من عشرينات القرن 19، وقضت بوجود حضور طبي في المصحات العامة أولا ثم في المصحات الخاصة بعد ذلك. يتبع …

2014-12-29 2014-12-29
admin
error: