العرس التطواني بين الأصالة والحداثة : الحلقة الأولى

wait... مشاهدة
العرس التطواني بين الأصالة والحداثة : الحلقة الأولى

ذ/ أنس اليملاحي

إن الكلام عن موضوع العرس وأجوائه في تطوان في الزمان السابق، لا شك أنه يستدعي الإحاطة بكثير من المعطيات التي تسمح بدراسة هذا المجتمع بالذات، في هذه المدينة المغربية التي اتسمت بكونها بنتا لحضارة متميزة كان لها وزن ثقيل في تاريخ الحضارات البشرية،ألا وهي حضارة الأندلس الأصيلة والعريقة. إلا أننا وبفضل اهتمام بعض المؤرخين جزاهم الله خيرا كالعلامة أحمد الرهوني والأستاذ محمد داود، قد استطعنا أن نطلع على خصائص المجتمع التطواني في فترة معينة، كانت فيها مدينة تطوان وما زالت محافظة على نمط معين من الحياة المتسمة بذلك الطابع الذي اكتسبته، بفضل تميزها كمدينة قد انبثق مجتمعها – فضلا عن انتسابها إلى أمها الأندلسية – من تفاعل ثقافات أخرى ذات غنى ورقي وأصالة، قد أثمرت مجتمعا جديدا كان فيه حضور وازن لأهل فاس الأفاضل، و لأبناء منطقة جبالة وأهل الريف الأماثل، ولمهاجري الجزائر الأماجد، مما أضفى عليها حلة من الجمال والأبهة والحضارة التي تميزها عن غيرها من المدن. ومن هنا كان لنا الإطلاع على بعض خصائص العرس التطواني في غضون أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أي في زمان كانت تطوان فيه وما زالت تلك الجوهرة المكنونة داخل صدفتها، التي لم تخضع بعد للمؤثرات التي ستكون لها انعكاسات على العادات المتبعة في أعراسها وفي بقية عاداتها فيما بعد ذلك. وهكذا تبين لنا أن العرس التطواني كان عبارة عن مناسبة عائلية يحسب لها ألف حساب، فالعرس فرحة ومحبة وابتهاج، والعرس ملتقى لتقارب الأهل والأحباب، والعرس فرصة للتضامن والتكافل والتعاون بين كل هؤلاء، ومن هنا كان مجرد الاحتفال بالعرس يستغرق أياما معدودات، أقلها أسبوع كامل ( سبع ايام في سبع ليالي حتى يدكدك الحي على الميت). أما الأجواء العادية للأيام التي يمر فيها العرس عند الأسر المعروفة، فإنها تكون كالآتي: الاثنين: يوم “العجين”، أي إعداد أولى وأهم الحلويات الضرورية في العرس، وهي الفقاقص، المهيأة بعناية كبيرة جدا، إذ يختار لها أجود أنواع الدقيق الخالص، مع السمن المذاب الصافي، وماء الورد المقطر الرفيع، والسكر الأبيض الرقيق، وحبوب السمسم واليانسون المغسولة والمنقاة حبة حبة، ومع الخميرة البلدية المهيأة خصيصا للغرض. بقية أيام الأسبوع الأول: يقضيها الأقارب في صنع وتهيئ بعض الحلويات لأيام الاحتفال. السبت الموالي: يوم الاحتفال “بالهدية”، أي ما يرسله العريس لعروسه من “ميادي” مليئة بالقفاطين والشرابيل وما إليها من مستلزمات تزيين رأس العروس، كالكنبوش والفرخة والعبروق والسبنية دالبحر … الخ. الأحد: يوم “الشوار”، وهو اليوم الذي يحتفل فيه أهل العروس بإرسال الشوار إلى دار العريس، بينما يحتفل أهل هذا الأخير باستقبال ذلك الشوار. والشوار عبارة عن (المطربات والمخايد والسداوج واليزور والشيلان والرواقات وصندوق الشوار، وغير ذلك من وسائل تزيين الغرفة كالتناشف والفتاتل وغيرها). الاثنين: يوم الاحتفال “بتعليق الشوار”، أي بجعله في محله المناسب من البيت. الثلاثاء: يوم “النبيتة”، وهو اليوم الذي تحضر فيه الفتيات والبنات الصغيرات مع العروس، فيقضين الليلة معها، ويحتفلن بها بوضع ما يعرف بالفال، أي القليل من الحناء على أطراف أصابعها، مع الأذكار والأمداح المعروفة المصاحبة لذلك. الأربعاء: يوم “الحناء”، وفي هذا اليوم تزخرف أيدي العروس بالحناء على هيئة معروفة تسمى “الحناء بالشمع”، وذلك بمحضر السيدات المدعوات من أهلها وأقاربها. الخميس: يوم “البوجة”، وفي هذا اليوم يقع الاحتفال الذي تنتقل بعده العروس إلى بيت زوجها ليلا على متن البوجة. الجمعة: يوم “الصباح”، أي اليوم الذي تصبح فيه العروس في بيتها الجديد، فتحضر السيدات أيضا للاحتفال بها بهذه المناسبة. السبت: يوم “المنسي”، وهو اليوم الذي يُنسى فيه العريس من طرف أصحابه وأصدقائه، حيث يقضيه مع عروسه في غرفتها، فلا يخرج ولا يزوره أحد، بينما باقي أفراد الأسرة في احتفال وابتهاج وفرحة. الأحد: اليوم “الثالث”، وهو اليوم المخصص لاحتفال الجميع بدخول العروس إلى الحمام، وخروجها منه بين الزغاريد والأمداح. الاثنين: يوم “الملاقية”، أي ملاقاة العريس لأهل العروس من النساء اللاتي يسمح له بلقائهن وفي مقدمتهن والدتها، وهكذا تقام وليمة الغذاء، فيتعرف العريس حينئذ على حماته، ويقدم لها هدية بالمناسبة. السبت: يوم “السابع د العرايسية”، أي الاحتفال بمرور أسبوع للعروس في بيت زوجها. ثم يبقى بعد ذلك الاحتفال بالتجمعات الأسرية في كل يوم جمعة تلي ذلك، وقد يطول الاحتفال بأيام الجمع لمدة شهرين أو أكثر، وقد يقتصر على جمعتين أو ثلاث، حسب إمكانيات العريس. هذه إشارات فقط إلى أهم الأيام التي كانت تعقد فيها الاحتفالات الخاصة بالعرس التطواني قديما، إلا أن التفاصيل المتعلقة بكل ذلك، لا شك أنها تعطينا نظرة أوضح على كثير من الجزئيات المحمودة أو المذمومة في وقتها، مما له دلالات ومعان كانت قائمة إما على أساس ديني أو أخلاقي أو اقتصادي أو عرفي معين، مما هو متوارث إما عن العادات المعروفة في الأندلس، أو ما جاء به غير الأندلسيين من سكان تطوان الواردين من فاس أو من الجزائر أو غيرها.

2015-01-07 2015-01-07
admin
error: