العرس التطواني بين الأصالة والحداثة : الحلقة الثانية

wait... مشاهدة
العرس التطواني بين الأصالة والحداثة : الحلقة الثانية

ذ/ أنس اليملاحي

مما لا شك فيه، أن العرس التطواني حاليا يختلف بكثير عما كان عليه في القديم، فقد خضع المجتمع التطواني، إلى تأثر ملموس في عاداته وتقاليده، أولا بحكم الظروف والملابسات التاريخية والثقافية والاجتماعية الطارئة عليه، وثانيا بحكم طبيعة البشر التي تقتضي دائما التجديد والتغيير في مظاهر الحياة، طمعا منهم في تحسين أحوال عيشهم، وثالثا بحكم الهجرات المتوالية التي عرفتها هذه المدينة وما زالت تعرفها، مما أدى إلى ذوبان العنصر التطواني الأصيل في هذا الخضم الهائل من الأفواج المهاجرة الجديدة، التي فرضت وجودها بما لها من عادات وتقاليد، أصبح معها الحفاظ على المميزات المحلية الخاصة بهذه المدينة من الصعوبة بمكان. وعموما هناك كثير من الأشياء التي تغيرت، وهناك أعراف جديدة قد دخلت، والعرف إذا انتشر وتغلغل أصبح عادة، وقد أدى هذا التغيير إلى انعكاس واضح على أفكار القوم وتصرفاتهم، بدءا من المفاهيم المتعلقة بمشروع الزواج عند الزوجين، إلى طريقة الاحتفال، وإلى الاعتبارات التي تعتمد عند اتخاذ الخطوات الخاصة بهذه العادة منذ أول يوم إلى آخره. إلا أن هذا لا يعني أن كل جديد لا بد أن يكون دخيلا ممقوتا محطما للموروث المجيد، ولا أن كل جديد لا بد أن يعتبر تطورا وتقدما ومحوا للقديم البالي المتجاوز، وإنما المجتمع معرض للتطور والتجدد بفعل الزمان، ولكن العاقل من يتعظ ويأخذ من التاريخ عبرة، فيعيش أيامه وزمانه، مراعيا لما يتطلبه هذا الزمان، مع المحافظة على ما يناسب قيمه ومبادئه، ليؤكد وجوده ويثبت مقومات شخصيته، دون أن ينسى ماضيه، ودون أن يمحو أسسه ليبدأ في بناء صرح جديد من غير أساس. فالشجرة لا تثمر إلا إذا أحيطت بالعناية اللازمة التي تستلزم مراقبة جذورها العريقة، مع تشذيب أغصانها وتزويدها بما يغذيها من الأسمدة والمواد النافعة لها. ولعل من أول العادات الطارئة على تطوان في هذا الجانب، عادة مظاهر الاختلاط بين النساء والرجال، مما لم يكن معهودا في القديم، حيث كان المجتمع التطواني محافظا على القيم الدينية الداعية إلى التزام المرأة بالوقار والحشمة وعدم كشف زينتها أمام الرجال. ثم عادة اختصار أيام الاحتفال في يوم واحد أو يومين يحشد فيهما المحتفلون حشدا، علما بأن أصحاب العرس لم يعودوا يوجهون الدعوة إلى الأشخاص الذين سيحضرون العرس، وإنما هو الباب المفتوح أمام الجميع – وخاصة بالنسبة للنساء – ، ليحضر كل من له رغبة في الحضور، الأمر الذي أصبح معه من المستحيل أن يقام العرس في المنازل – مهما كان حجمها – وإنما أصبح من الضروري أن يقع اكتراء قصر من القصور أو قاعة من القاعات المعدة للاحتفالات، لاستقبال الكم الهائل من الواردين على العرس. ومن العادات الطارئة أيضا مسألة تزيين العروس لمرات متعددة خلال اليوم الواحد من الاحتفال، فها هي بهيئة العروس التطوانية، ثم بحلة الأميرة، ثم بزينة الشلحة، ثم بمظهر الهندية … الخ؟؟؟ والحقيقة أنه لا يمكن في هذه العجالة الإلمام بكل الملاحظات في هذا المجال، وإنما هناك كثير من المظاهر التي أصبحت ملحوظة في العرس- لا أقول التطواني – ولكن أقول العرس الذي يقام في تطوان، مما يمكن أن يعتبر تجديدا وتطويرا، لا شك أن له من الإيجابيات والسلبيات ما يحتاج إلى تحليل وتقييم من طرف المهتمين بالموضوع. و عن كيفية إحياء حفلات الزفاف الحالية مقارنة مع الماضي أعتقد أن الجواب على هذا السؤال يمكن أن يستخلص مما سبق، والذي مفاده أن الأمور قد تغيرت تغيرا جذريا، فالاحتفال بالعرس اليوم مخالف تماما لما كان عليه في الماضي، إلا أنني أؤكد أن المسألة لم تعد هنا مرتبطة بمسؤولية مجتمع منضبط لقواعد معينة، أو ملتزم بخصوصيات تقيده ضمن مقومات معينة، وإنما الأمر يرجع حاليا إلى طغيان تيار العولمة بمفهومها الخاص، أو بمعناها القريب، فالواقع أن العولمة تفترض أصلا احتضان الأكبر للأصغر، وذوبان الأضيق في محيط الأوسع، وضياع الأقليات في فضاء الأغلبية. وهذا هو ما وقع في تطوان، من كونها – وإن كان بعض أبنائها يحاولون الحفاظ على بعض خصوصياتها وضوابطها – فإن الأغلبية من سكانها أصبحوا خاضعين لضغوط جعلتهم يسيرون مع التيار الجارف الذي جعلهم يتخلون عن عاداتهم وتقاليدهم، ليسايروا عادات ومظاهر لم تكن معهودة فيها من قبل، مما جعل أعراسها لا تتسم بطابع معين يميزها عن غيرها من المدن المغربية الأخرى، إلا في قليل من المظاهر.

2015-01-13 2015-01-13
admin
error: